ابن الجوزي
151
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
دارة جلَّجل ، فانصرفت مستحييا منهن ، فنادينني : باللَّه يا صاحب البغلة ارجع نسألك عن شيء ، فانصرفت إليهن وهن في الماء إلى حلوقهن ، فقلن : باللَّه حدّثنا بحديث دارة جلجل ، فقلت : إن امرأ القيس كان يهوى بنت عم له يقال لها : عنيزة ، فطلبها زمانا فلم يصل إليها حتى كان يوم الغدير وهو يوم دارة جلجل ، وذلك أن الحيّ احتملوا ، فتقدم الرجال ، وتخلف النساء والخدم والثقل ، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلف بعد ما سار الرجال غلوة [ 1 ] ، فكمن في غابة [ 2 ] من الأرض حتى مرّ به النساء ، فإذا فتيات وفيهن عنيزة ، فلما وردن الغدير قلن : لو نزلنا ، فذهب بعض كلالنا فنزلن إليه ، ونحين العبيد عنهن [ 3 ] ، ثم تجردن واغتمسن في الغدير كهيئتكن الساعة ، فأتاهن امرؤ القيس محتالا كنحو ما أتيتكن وهن غوافل ، فأخذ ثيابهن فجمعها ورمى الفرزذق نفسه عن بغلته ، فأخذ بعض أثوابهن فجمعها - وقال لهن كما أقول لكن : والله لا أعطي جارية منكن ثوبها ولو أقامت في الغدير يومها حتى تخرج إليّ مجردة [ 4 ] . فقال الفرزدق : فقالت إحداهن : هذا امرؤ القيس ، كان عاشقا لابنة عمه ، أفعاشق أنت لبعضنا ؟ فقلت : لا والله ولكني اشتهيتكن ، قال : فتأبين أمري [ 5 ] حتى تعالى النهار وخشين أن يقصرن دون المنزل ، فخرجت إحداهن ، فدفع إليها ثوبها ووضعه ناحية ، فأخذته ولبسته ، وتتابعن على ذلك حتى بقيت عنيزة وحدها ، فناشدته الله أن يطرح لها ثوبها ، فقال : دعينا منك ، فأنا حرام إن أخذت ثوبك إلا بيدك . قال : فخرجت فنظر إليها مقبلة ومدبرة ، فأخذت ثوبها ، وأقبلن عليه يعذلنه ويلمنه ويقلن : عريتنا وحبستنا وجوعتنا ، قال : فإن نحرت لكن ناقتي ، أتأكلن منها ؟ قلن : نعم ، فاخترط سيفه فعقرها ونحرها وكشطها وصاح بخدمهن ، فجمعوا له حطبا ، فأجج نارا عظيمة ، وجعل يقطع لهن من سنامها وأطائبها وكبدها ، فيلقيه على الجمر فيأكل ويأكلن معه ، فلما أراد الرحيل قالت إحداهن : أنا
--> [ 1 ] الغلوة : مقدار رمية سهم ، وتقدر بحوالي ثلاثمائة ذراع إلى أربعين . [ 2 ] في الأغاني : « غبابة من الأرض » . [ 3 ] في الأصل : « عنه » . [ 4 ] في الأصل : « فأتاهن امرؤ القيس فأخذ بعض أثوابهن فجمعهن وقال لهن كما قائلا كنحو ما أتيتكن وهن غوافل ، فأخذ ثيابهن فجمعها ورمى الفرزدق نفسه عن بلغته فأخذ بعض أثوابهن فجمعها وقال لهن كما أقول ، لكن والله لا أعطي جارية منكن ثوبها ، فقال الفرزدق » : . وما أوردناه من ت والأغاني . [ 5 ] في الأصل : « فتأبين على الفرزدق » . وما أوردناه من الأغاني وت .